يعيد النزوح ترتيب حياة الإنسان، لكنه لا يمحو طموحه. فبالنسبة إلى كثير من الشباب السوري الذين فقدوا فرصة الوصول إلى جامعاتهم وأماكن عملهم وشبكاتهم المهنية، تصبح ريادة الأعمال وسيلة لإعادة بناء حياتهم بشروطهم الخاصة. يتجاوز عدد المسجلين حالياً كلاجئين حول العالم 37 مليون شخص، ومن بينهم مهندسون ومعلمون وأصحاب متاجر يدركون احتياجات السوق غير الملباة أكثر من أي شخص آخر، لأنهم عاشوها بأنفسهم.
يواجه بناء مشروع ناشئ في ظل النزوح مجموعة من العقبات الخاصة: وضع قانوني غير مستقر، وإمكانية محدودة للوصول إلى رأس المال، وشبكات علاقات لا بد من إعادة بنائها من الصفر. ومع ذلك، يفعل رواد أعمال في أنحاء المنطقة هذا بالضبط، إذ ينتقلون من فكرة أولية مدوّنة على ورقة إلى مشروع فعلي يحقق إيرادات. ولطالما رافقنا هذه الرحلة من خلال برنامج ريادة الأعمال لدينا منذ عام 2014، ولاحظنا أن النمط نفسه يتكرر دائماً: الفكرة تأتي أولاً، لكن الاختبار والإرشاد والمجتمع هي ما يوصلها إلى مرحلة الانطلاق.
الأفكار الرئيسية:
- غالباً ما يصقل النزوح قدرة رائد الأعمال على اكتشاف حاجة غير ملباة قبل أي شخص آخر.
- اختبار الفكرة مع عملاء حقيقيين في وقت مبكر يوفر الوقت والمال لاحقاً.
- يبقى الوضع القانوني والوصول إلى رأس المال أكبر عقبتين في المراحل الأولى لرواد الأعمال النازحين.
- يسد الإرشاد والمجتمع من الأقران الفجوات التي غالباً ما تتركها الأنظمة الرسمية مفتوحة.
- يمكن للحاضنات المنظمة أن تنقل رائد الأعمال من فكرة أولية إلى مشروع معتمد وقابل للاستثمار.
- يثبت رواد أعمال حقيقيون، مثل صفا القاسم وآزاد حسن، أن النجاح ممكن مع الدعم المناسب.
اكتشاف الفكرة: حيث يلتقي التهجير بالابتكار
يبدأ كل مشروع ناشئ حين يلاحظ أحدهم فجوة أغفلها الآخرون. وبالنسبة إلى رواد الأعمال النازحين، غالباً ما تكون هذه الفجوة شخصية للغاية. لنتأمل قصة القائمين على منصة Mujaz، الذين لاحظوا نقصاً في المحتوى الثقافي العربي عالي الجودة على الإنترنت، فأنشأوا منصة توفر اليوم فرص عمل لمبدعين محليين وتحتفي بالهوية العربية في الوقت ذاته، وهي قصة تناولناها في مقالنا عن رحلة رائد الأعمال.
سلكت صفا القاسم (Safa Elcasim)، رائدة أعمال سورية مقيمة في تركيا، مساراً مشابهاً. أطلقت في البداية منصة Education Unlimited لمساعدة الطلاب النازحين والمغتربين على الالتحاق بالجامعات. وأثناء إدارتها لهذه المنصة، لاحظت مشكلة أخرى أكبر: لم يكن العديد من هؤلاء الطلاب أنفسهم قادرين على إيجاد عمل بدوام جزئي لإعالة أنفسهم. من هذه الملاحظة، وُلدت منصة Joblink التي تربط الطلاب بأصحاب العمل.
الدرس المستفاد من القصتين واحد: أفضل أفكار المشاريع الناشئة نادراً ما تأتي كإلهام مفاجئ، بل تظهر من خلال التجربة المعاشة، حين يلاحظ رائد الأعمال نقطة احتكاك عاناها بنفسه، ويقرر حلّها لغيره أيضاً.
اختبار الفكرة وبناء خطة العمل
تبقى الفكرة مجرد افتراض إلى أن تُختبر مع عملاء حقيقيين. نُعلّم رواد الأعمال في حاضناتنا كيفية اختبار افتراضاتهم قبل استثمار وقتهم ومالهم المحدودين. فقد جرّب أحد المشاريع الناشئة المتخصصة في التغليف الصديق للبيئة منتجه أولاً في عدد من المقاهي المحلية، وطوّره بناءً على ملاحظات العملاء المباشرة بدلاً من التخمين.
وبمجرد أن تُظهر الفكرة بوادر نجاح، يحتاج رائد الأعمال إلى خطة واضحة لتوصيلها إلى المرشدين والشركاء، ثم إلى المستثمرين لاحقاً. نُدرّب رواد الأعمال على استخدام نموذج العمل التجاري (Business Model Canvas)، وهو إطار عمل من صفحة واحدة يوضح القيمة المقترحة للمشروع، والعملاء المستهدفين، وقنوات التوزيع، والتكاليف، ومصادر الإيرادات. استخدم مشروع Uniex هذه الأداة بالتحديد خلال مشاركته في مشروع ديسرابتورز لتوضيح نموذج عمله وتقديم عرضه للمستثمرين بثقة.
غالباً ما تبدو هذه المرحلة أبطأ مما يتوقعه رواد الأعمال، لكنها المرحلة التي تتحول فيها الفكرة الواعدة إلى مشروع قابل للاستمرار. تخطي مرحلة الاختبار هو أحد أكثر أسباب فشل المشاريع الناشئة شيوعاً، سواء كان صاحبها نازحاً أم لا.
مواجهة العقبات الخاصة بالتهجير
يحمل رواد الأعمال النازحون طبقة إضافية من الصعوبة لا تتطرق إليها معظم أدلة ريادة الأعمال: الإقصاء القانوني والإداري. وقد وجد تحليل أجراه مركز ويلسون عام 2021 أن واحداً فقط من كل خمسة سوريين نازحين إلى لبنان مؤهل قانونياً لتسجيل مشروع تجاري، ويعود ذلك في الغالب إلى متطلبات جواز السفر والإقامة التي لا يستطيع كثيرون منهم استيفاءها. وتنطبق قيود مشابهة في مختلف أنحاء المنطقة، حيث يمكن لوثيقة ناقصة أن توقف مشروعاً واعداً قبل أن يفتح أبوابه أصلاً.
يزيد الوصول إلى رأس المال من تعقيد المشكلة، فمن دون سجل ائتماني أو ضمانات أو كفيل محلي، يجد رواد الأعمال النازحون أنفسهم غالباً خارج دائرة القروض المصرفية التقليدية، مهما كانت فكرة مشروعهم قوية. ولهذا السبب بالتحديد صُمم برنامج ريادة الأعمال لدينا لمساعدة رواد الأعمال على تجاوز العقبات القانونية، والوصول إلى التمويل، والتواصل مع مستثمرين ربما لم يكونوا ليروا عرضهم التقديمي لولا ذلك. هذا الدعم ليس بديلاً عن إصلاح السياسات، لكنه يسد فجوات حقيقية في الوقت الراهن.
إيجاد الإرشاد والمجتمع ورأس المال
نادراً ما ينجح رائد الأعمال بمفرده، ويستفيد رواد الأعمال النازحون بشكل خاص من إعادة بناء شبكة علاقات مهنية. فمن خلال ستارت اب رودشو، تلقت إحدى الدفعات من رواد الأعمال أكثر من 50 ساعة من التدريب الجماعي على إدارة الأعمال، وأكثر من 600 ساعة من الإرشاد الفردي، وخدمات تجارية مباشرة تفوق قيمتها 100,000 دولار، دون أي تكلفة على رواد الأعمال.
ولهذا النوع من الدعم أثر واضح في النتائج، ففي الولايات المتحدة، يعمل اللاجئون في مجال ريادة الأعمال بمعدلات أعلى ملحوظة مقارنة بغيرهم. ووفقاً لأبحاث جمعتها اللجنة الكاثوليكية الدولية للهجرة، فإن 13% من اللاجئين هناك هم رواد أعمال، مقارنة بـ 11.5% من المهاجرين الآخرين و9% فقط من السكان المولودين في البلاد. الدافع موجود بوضوح، وما ينقص غالباً هو وصول منظم إلى المرشدين ورأس المال وشبكة علاقات مهنية أولى، وهو بالضبط ما توفره حاضنة أعمال مصممة جيداً.
حصل برنامجنا أيضاً على اعتماد من مؤسسة EFMD العالمية ضمن نظام اعتماد الدورات عبر الإنترنت التابع لها (EOCCS)، ما يجعلنا أول منظمة غير حكومية تدير برنامج حاضنة أعمال تحصل على هذا الاعتراف. وبالنسبة إلى رواد الأعمال، يفتح هذا الاعتماد أبواباً أمام شراكات ومستثمرين ربما كانوا سيتجاهلون مؤهلات رائد أعمال تعلم بنفسه.
من الانطلاق إلى التوسع: كيف يبدو النجاح
الانطلاق محطة، لا خط نهاية. أسس آزاد حسن (Azad Hasan)، وهو طبيب عراقي تحول إلى ريادة الأعمال، منصة Eduba في سوق كانت تفتقر آنذاك إلى بنية تحتية تقنية تعليمية متطورة. وبعد انضمامه إلى ستارت اب رودشو، نمت Eduba بنسبة 700% خلال جائحة كوفيد-19، وحصلت على اعتماد وزارة التربية العراقية الذي فتح أمامها أكثر من 25,000 مؤسسة تعليمية، وحققت في النهاية خروجاً ناجحاً عبر عملية استحواذ.
لا تُعد Eduba حالة استثنائية، فمنذ عام 2014، دربّ برنامج ريادة الأعمال لدينا أكثر من 2,000 رائد أعمال، وساعد على إطلاق أو تنمية أكثر من 600 شركة ومشروع ناشئ، محققاً أكثر من 27 مليون دولار من الدعم على طول الطريق. ويتطلب التوسع المكونات ذاتها التي يتطلبها الانطلاق: إرشاد يستمر بعد التخرج من البرنامج، ومجتمع من الأقران يفهم التحديات الخاصة ببناء مشروع في ظل التهجير، ووصول إلى رأس مال لا يختفي بمجرد إطلاق أول منتج.
الأسئلة الشائعة
ما هي الخطوة الأولى لبناء مشروع ناشئ كرائد أعمال نازح؟
تتمثل الخطوة الأولى في تحديد مشكلة حقيقية ومحددة، يُفضّل أن يكون رائد الأعمال قد عاشها بنفسه، ثم اختبار هذه الفكرة مع مجموعة صغيرة من العملاء المحتملين الحقيقيين قبل استثمار وقت أو مال كبيرين.
ما أبرز العقبات التي يواجهها رواد الأعمال النازحون عند بدء مشروعهم؟
أبرز العقبات قانونية وإدارية بطبيعتها: نقص الوثائق، وقيود الإقامة، وغياب السجل الائتماني أو الضمانات، وجميعها عوامل يمكن أن تعرقل الوصول إلى تسجيل المشروع رسمياً والحصول على التمويل التقليدي.
كيف تدعم جسور رواد الأعمال النازحين؟
يقدم برنامج ريادة الأعمال لدينا حاضنات معتمدة، وإرشاداً عملياً مباشراً، ومشاريع رائدة مثل ستارت اب رودشو وديسرابتورز، وجميعها مصممة لمساعدة رواد الأعمال على تجاوز العقبات القانونية، وتطوير نماذج أعمالهم، والتواصل مع المستثمرين.
هل يمكن لرواد الأعمال النازحين الحصول على تمويل دون التنازل عن حصص من ملكية مشروعهم؟
نعم. تربط مسرعة جسور للمشاريع الصغيرة رواد الأعمال بالإرشاد والتدريب ومسارات التمويل دون طلب أي حصة من الملكية، بحيث يحتفظ رواد الأعمال بكامل ملكية ما يبنونه.
ماذا يحدث بعد تخرج المشروع الناشئ من برنامج الحاضنة؟
يستمر الخريجون في تلقي الإرشاد والوصول إلى شبكة الخريجين خلال مرحلة التوسع. بعضهم، مثل Eduba، يحقق معالم نمو كبرى أو عملية استحواذ ناجحة، بينما يستخدم آخرون العلاقات التي بنوها خلال البرنامج لتأمين جولة تمويل جديدة.
من يمكنه الانضمام إلى برنامج ريادة الأعمال في جسور؟
البرنامج مفتوح أمام رواد الأعمال السوريين وكذلك أبناء المجتمعات المضيفة في المنطقة، انطلاقاً من إيماننا بأن التهجير يجب ألا يكون أبداً عائقاً أمام بناء شيء ذي معنى.
الخاتمة
من ملاحظة أولى حول حاجة غير ملباة، إلى اختبار هذه الفكرة مع عملاء حقيقيين، إلى تجاوز العقبات القانونية والمالية، إلى إيجاد المرشدين والمجتمع الذي يرافق رائد الأعمال حتى الانطلاق وما بعده، فإن بناء مشروع ناشئ في ظل التهجير ليس قفزة واحدة، بل سلسلة من الخطوات المدروسة القابلة للتعلم، ويثبت رواد أعمال مثل صفا القاسم وآزاد حسن كل يوم أن هذه السلسلة تنجح.
إذا كنت رائد أعمال نازحاً وجاهزاً لاتخاذ هذه الخطوة الأولى، تعرّف على برنامج ريادة الأعمال لدينا لمعرفة كيفية التقديم. وإذا كنت ترغب في إرشاد رائد أعمال أو دعم قصة نجاح مقبلة على غرار Eduba، شارك معنا أو تبرع اليوم. فكل فكرة تستحق فرصة لتصبح انطلاقة حقيقية.



