منذ أكثر من عقد، أدت الحرب والنزوح إلى تعطيل المسارات التعليمية والمهنية لملايين الشباب السوري. غادر كثيرون منهم مقاعد الدراسة قبل إتمام المرحلة الثانوية، وحتى من واصلوا تعليمهم كثيرًا ما تخرجوا في اقتصادات لا تتوفر فيها فرص عمل كافية. وفي الوقت نفسه، تبحث قطاعات كاملة، من البناء والطاقة المتجددة إلى الخدمات اللوجستية والرقمية، عن عمالة ماهرة تساعد في إعادة بناء ما دمّره النزاع. وهنا بالتحديد يكمن الفارق الذي تصنعه مسارات التدريب المهني.
في جسور، نؤمن بأن الشباب السوري يحمل أصلاً العزيمة والإمكانات اللازمة للنجاح. وما يحتاجه كثيرون منهم هو مسار منظم يقودهم إلى عمل حقيقي وكريم. ومن خلال برنامج التطوير الوظيفي، نصمم مسارات تدريب مهنية وخضراء ورقمية تربط التعلم مباشرة بالتوظيف والعمل الحر وريادة الأعمال. في هذه المدونة، نستعرض لماذا يكتسب التدريب المهني أهمية أكبر من أي وقت مضى، وكيف تجمع مبادرتنا الأحدث بين التدريب والدخل بشكل أوثق، وكيف يمكنكم دعم الجيل القادم من المهنيين السوريين.
رؤى رئيسية:
- تضرر أو دُمر أكثر من 7,000 مدرسة في سوريا، ما ترك نحو مليوني طفل خارج المدرسة، بحسب اليونيسف.
- قد تصل تكلفة إعادة إعمار سوريا إلى 216 مليار دولار، بحسب تقييم للبنك الدولي، ما يخلق حاجة ملحة إلى عمالة ماهرة.
- لا تزال معدلات البطالة بين الشباب في بلاد الشام من الأعلى عالميًا، إذ بلغت 47.8 بالمئة في لبنان عام 2022، بحسب منظمة العمل الدولية.
- يدرّب برنامجنا مهارات للعمل 250 شابة وشاب سوري عبر مسارات مهنية وخضراء ورقمية في خمس مدن داخل سوريا.
- تنجح مسارات التدريب المهني حين يقترن بناء المهارات بروابط مباشرة مع أصحاب العمل، والإرشاد المهني، ودعم العمل الحر أو المشاريع الصغيرة.
لماذا تُعد مسارات التدريب المهني مهمة للشباب السوري اليوم
أدى أكثر من عقد من النزاع إلى فجوات عميقة في نظامَي التعليم والعمل في سوريا. وبحسب اليونيسف، تضرر أو دُمر أكثر من 7,000 مدرسة، ولا يزال نحو مليوني طفل خارج المدرسة. وكثير من الشباب الذين يبلغون سن الرشد يحملون تعليمًا غير مكتمل ومؤهلات رسمية محدودة، رغم ما يتمتعون به من موهبة وقدرة على الابتكار ورغبة حقيقية في العمل.
وفي الوقت ذاته، فإن حجم ما يجب إعادة بناؤه هائل. إذ يقدّر تقييم للبنك الدولي أن تكلفة إعادة إعمار سوريا ستبلغ 216 مليار دولار، تغطي الإسكان والبنية التحتية والخدمات العامة. وتعاني قطاعات مثل البناء والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والخدمات الرقمية أصلاً من نقص في العمالة الماهرة، وهي فجوة لن تزداد إلا اتساعًا مع تقدم جهود إعادة الإعمار.
يضيف النزوح طبقة أخرى من الصعوبة. فعبر بلاد الشام، يواجه الشباب السوري قيودًا على تصاريح العمل، وممارسات توظيف تمييزية، وفي دول مضيفة مثل لبنان، معدلات بطالة مرتفعة للغاية. إذ بلغت نسبة البطالة بين الشباب في لبنان 47.8 بالمئة عام 2022، بحسب منظمة العمل الدولية، أي ما يقارب ضعف معدل البطالة بين البالغين. وتستجيب مسارات التدريب المهني مباشرة لهذا الواقع، إذ تربط المهارات العملية ذات الصلة بسوق العمل بفرص عمل حقيقية، وتدريب مهني تطبيقي، وفرص لتوليد الدخل، بدلاً من تدريب عام لا يقود إلى وجهة واضحة. ولهذا بُني برنامج التطوير الوظيفي على سؤال محوري واحد: كيف ننقل شابًا سوريًا من امتلاك مهارة إلى تحقيق مصدر رزق؟
مهارات للعمل: نموذج عملي للتدريب المهني في سوريا
مبادرتنا الأحدث ضمن برنامج التطوير الوظيفي، مهارات للعمل، بالتعاون مع Glocal Shift وصندوق عبد العزيز الغرير لتعليم اللاجئين، أُطلقت للإجابة عن هذا السؤال مباشرة داخل سوريا. وعلى مدى 12 شهرًا، يأخذ البرنامج 250 شابة وشاب سوري في دمشق وريف دمشق وحلب واللاذقية وحمص عبر ثلاثة مسارات، مهني وأخضر ورقمي، مصممة بما يتناسب مع القطاعات التي يتنامى فيها الطلب الحقيقي على العمالة.
نتّبع نهجًا بسيطًا من ثلاث خطوات:
- تطوير المهارة: يبني المشاركون مهارات تقنية ومهارات تأهيل للعمل ضمن المسار الذي يختارونه، إلى جانب كتابة السيرة الذاتية، والتحضير للمقابلات، والتواصل الرقمي.
- الربط بفرصة عمل: نربط المشاركين بشراكات مع أصحاب العمل، وفرص تدريب عملي، وجلسات إرشاد فردية، بحيث يقود التدريب إلى فرصة حقيقية.
- بدء المسار المهني: يحصل المشاركون على دعم لإطلاق مسار في العمل الحر أو تأسيس مشاريعهم الصغيرة، مع إرشاد حول منصات العمل الرقمي وأساسيات ريادة الأعمال.
يبني برنامج «مهارات للعمل» على تجربة سابقة ضمن برنامج التطوير الوظيفي، جرّبت النموذج نفسه القائم على التدريب والربط والتمكين، مع تركيز واضح على الوصول إلى النساء والمشاركين النازحين. ومن المشجّع أن النساء يشكّلن 57 بالمئة من المشاركين في برنامج التطوير الوظيفي ككل، وهو دليل على أن مسارات التدريب المهني يمكن أن تفتح أبوابًا كان من الصعب تاريخيًا أن تصل إليها الشابات.
المسارات الخضراء والرقمية: توسيع مفهوم التدريب المهني
لم تعد مسارات التدريب المهني مقتصرة على الحرف التقليدية. فالمسار الأخضر ضمن «مهارات للعمل» يُعِدّ الشباب السوري للتحول نحو الطاقة المتجددة، بما في ذلك تركيب الألواح الشمسية والبناء المستدام. أما المسار الرقمي فيبني قدرات في العمل الحر والتجارة الإلكترونية وأدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتسويق الرقمي، ما يفتح الباب أمام الاقتصاد الرقمي العالمي دون أن يضطر الشباب إلى مغادرة عائلاتهم ومجتمعاتهم.
يتصل هذا النهج الموسّع بمشروعين آخرين ضمن برنامج التطوير الوظيفي. فمشروع مهارات المستقبل يُعرّف المراهقين على التفكير النقدي وحل المشكلات ومحو الأمية الرقمية في مرحلة مبكرة، ليبني أساسًا أقوى قبل وصول الشباب إلى مسار مهني. أما جسور إلكم، مشروعنا لمسارات المواهب عن بُعد، فيربط المهنيين الشباب المؤهلين بأصحاب عمل خارج البلاد في أدوار عن بُعد لا تستلزم الانتقال. وبذلك، تشكّل هذه المشاريع مسارًا متصلاً، يبدأ ببناء المهارات المبكرة، ويمر بالتدريب المهني والرقمي، وينتهي بتوظيف مستدام.
من التدريب إلى التوظيف: قصص التغيير
الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. جاء حسين الفداوي إلى مشروع مهارات المستقبل التابع لبرنامج التطوير الوظيفي، وغادره بمهارات وثقة مكّنته من الحصول على عمل، وهي رحلة شاركناها بالتفصيل في حسين الفداوي: من الإلمام بالحاسوب إلى التوظيف. وقصص كهذه هي ما يجعلنا نقيس النجاح ليس فقط بعدد ساعات التدريب المنجزة، بل بعدد الوظائف التي تم تأمينها، والدخل الذي ازداد، والمستقبل الذي تغيّر.
وتوجّه الفلسفة نفسها عملنا داخل سوريا من خلال جسور إلى سوريا، مبادرتنا للاستثمار المباشر في التعليم وتنمية القوى العاملة في سوريا وهي تدخل مرحلة جديدة. وقد تكرر التأكيد على أن التدريب المهني وتنمية القوى العاملة من أكثر الاحتياجات إلحاحًا للشباب السوري المستعد للمساهمة في إعادة بناء مجتمعاته، ونحن عازمون على الاستمرار في تلبية هذه الحاجة.
كيف يمكنكم دعم مسارات التدريب المهني للشباب السوري
تنجح مسارات التدريب المهني بفضل جهد جماعي. فإذا كنتم من أصحاب العمل، يمكنكم المساهمة عبر تقديم فرص تدريب عملي أو تدريب داخلي لخريجي مساري «مهارات للعمل» ومسارات الارتقاء التقني. وإذا كانت لديكم خبرة مهنية ترغبون في مشاركتها، يمكنكم تقديم تدريب مع جسور والمساهمة في تقديم وحدات تدريبية مباشرة للشباب السوري. كما يمكن لرواد الأعمال التواصل مع برنامج ريادة الأعمال لإرشاد الخريجين الراغبين في بناء مشاريعهم الخاصة. وإذا رغبتم في تمويل مقعد تدريبي، يمكنكم التبرع لجسور لدعم مسار شاب سوري من امتلاك مهارة إلى تحقيق عمل مستدام.
الأسئلة الشائعة
ما هو التدريب المهني ولماذا يهم الشباب السوري؟
يزوّد التدريب المهني الشباب بمهارات عملية وتطبيقية لحرف وقطاعات محددة، من البناء إلى التسويق الرقمي. وبالنسبة للشباب السوري، يوفر هذا التدريب مسارًا أسرع وأكثر مباشرة نحو التوظيف مقارنة بالمسارات الأكاديمية التقليدية وحدها، خصوصًا لملايين الشباب الذين تعطل تعليمهم بسبب النزاع والنزوح.
ما المسارات التي يقدمها برنامج «مهارات للعمل» التابع لجسور؟
يقدم برنامج «مهارات للعمل» ثلاثة مسارات: مهني، وأخضر، ورقمي. يغطي المسار المهني الحرف التقنية والتطبيقية، ويركز المسار الأخضر على الطاقة المتجددة والبناء المستدام، فيما يبني المسار الرقمي مهارات في العمل الحر والتجارة الإلكترونية والتسويق الرقمي.
من هم المؤهلون للالتحاق بمسارات التدريب المهني لدى جسور؟
تختلف شروط الأهلية بحسب المشروع. فبرنامج «مهارات للعمل» مخصص للشباب السوري الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عامًا ويقيمون داخل سوريا، مع تشجيع خاص للنساء والأشخاص النازحين على التقديم. أما «جسور إلكم» فيخدم المواهب السورية وأبناء بلاد الشام، بمن فيهم الفلسطينيون من سوريا، في مختلف أنحاء المنطقة.
كيف يؤدي التدريب المهني إلى توظيف فعلي؟
تتبع برامجنا نموذج التدريب والربط والتمكين. فبعد بناء المهارات التقنية ومهارات التأهيل للعمل، يُربط المشاركون بشراكات مع أصحاب العمل، وفرص تدريب عملي، وفرص عمل، مع دعم مستمر لمساعدتهم على ممارسة العمل الحر أو تأسيس مشاريعهم الصغيرة.
كيف يمكنني المساهمة في دعم التدريب المهني للشباب السوري؟
يمكنكم دعم مسارات التدريب المهني من خلال التبرع لتمويل مقعد تدريبي، أو التطوع كمدرب أو مدربة، أو تقديم فرصة تدريب عملي أو تدريب داخلي في شركتكم، أو الشراكة معنا كجهة داعمة مؤسسية. تفضلوا بزيارة صفحة شارك معنا لمزيد من المعلومات.
الخاتمة
لا تقتصر مسارات التدريب المهني على تعليم مهارة فحسب، بل تتعلق باستعادة الكرامة والفاعلية والشعور بالمستقبل لجيل من الشباب السوري الذي أثبت بالفعل صمودًا استثنائيًا. فمن خلال «مهارات للعمل»، و«مهارات المستقبل»، و«جسور إلكم»، و«مسارات الارتقاء التقني»، يبني برنامج التطوير الوظيفي مسارًا متصلاً من التدريب يقود مباشرة إلى التوظيف والعمل الحر وريادة الأعمال، داخل سوريا وعبر المنطقة.
لا يمكننا تحقيق ذلك وحدنا. فسواء اخترتم التبرع، أو تقديم تدريب، أو توظيف أحد الخريجين، أو مجرد مشاركة هذه المدونة مع من يمكنه المساعدة، فإن دعمكم يحوّل مسار تدريب إلى مسار مهني مستدام. تفضلوا بزيارة jusoor.ngo/ar لمعرفة المزيد عن برنامج التطوير الوظيفي، ولمساعدتنا على سد فجوة الفرص أمام الشباب السوري.



