شيماء عمرها 12 سنة وتدرس في الصف الثاني في مركز جسور في جب جنين في البقاع اللبناني. التحقت بالمركز قبل ثلاث سنوات، بدأت من الروضة الثالثة، وهي تشق طريقها في البرنامج منذ ذلك الحين. قد يبدو الصف الثاني تقدماً بطيئاً لطفلة في سنّها. لكن قصة شيماء لا يمكن قياسها بهذه الطريقة.
عائلة بعيدة عن الوطن
عائلة شيماء في البقاع اللبناني منذ عام 2011، حين غادرت منزلها في ريف حمص، حيث كانت تعيش وتربّي الأغنام. كما هو حال كثير من العائلات السورية في لبنان، وصلوا بأقل القليل ووجدوا الاستقرار أمراً عسيراً. لا يملك والداها مصدر دخل ثابتاً، والوفاء بمتطلبات الحياة اليومية تحدٍّ لا يتوقف.
أرادت والدتها فريال أن يكون أطفالها في المدرسة منذ البداية. التحقوا بمدرسة رسمية لسنوات. وحين عادوا لتجديد التسجيل، أُبلغوا بأنه لا تتوفر أماكن. أمضت شيماء أكثر من عام خارج المدرسة لا تجد مكاناً تذهب إليه. كانت تقضي أيامها تساعد والديها في أعمال متفرقة في الحقول.
حين علمت عائلة شيماء بجسور، سجّلوها في مركز جب جنين. وحين التحقت بالمركز في الروضة الثالثة، كانت أكبر سناً من معظم زملائها في الصف، وكانت تعلم ذلك.
طالبة كانت تؤمن أنها لا تستطيع التعلم
لم يظهر حبها للمدرسة فوراً. حين وصلت شيماء إلى المركز للمرة الأولى، كان الإحباط المتراكم قد تحوّل إلى شيء أصعب على التغيير. كانت مقتنعة، بيقين أقلق معلميها، بأنها ببساطة غير قادرة على تعلم اللغة الإنجليزية، كما أفاد معلمها السيد خالد مع صراني.
انعكس هذا الإحباط على سلوكها. كانت تدخل في شجارات جسدية مع زملائها. كان اسلوبها غير جيد مع المعلمين. اللغة التي كانت تستخدمها لم تكن لائقة للفصل الدراسي. كان معلموها يرون أن وراء كل ذلك طفلة ذكية لم تُعطَ قط الظروف المناسبة لتشعر بالثقة والقدرة والأمان.
نقطة التحول
هذا العام، قرّر معلم اللغة الإنجليزية السيد خالد معصراني تجربة شيء مختلف: أن يبدأ بالتشجيع لا بالتصحيح. أن يعترف بذكائها أولاً، ويبني كل شيء آخر من هناك.
النتائج كانت حقيقية، وجاءت أسرع مما توقعه أي أحد. تحسّن مستوى شيماء في الإنجليزية بنحو 60 بالمئة في القراءة والكتابة والتحدث. لم تصبح الأولى في صفها بعد، لكنها باتت في المستوى المتوسط بثبات، وبالنسبة لطالبة كانت تقول يوماً إن التعلم مستحيل عليها، فهذا مسافة هائلة قطعتها.
أعطاها معلموها أيضاً شيئاً آخر: المسؤولية. بدأوا بتكليفها بمهام إضافية في الفصل، وعاملوها بوصفها شخصاً يؤدي دوراً مهماً. بجعلها "معلمةً صغيرة"، شهدوا الأثر على شيماء بشكل شبه فوري. بدأت تتدخل حين تنشأ خلافات بين زملائها، تقدّم النصائح وتساعد على تهدئة الأمور. تلاشت العدوانية. توقفت عن الشجارات. وبدأت تلجأ إلى المعلمين حين يكون هناك مشكلة بدلاً من التعامل معها بيدها.
وبدأت أيضاً، ولعل هذه المرة الأولى حقاً، تحب نفسها وتمشي بثقة.
شيماء الجديدة
اليوم، شيماء من أكثر الطلاب انخراطاً في فصلها. تتولى الأدوار القيادية بشكل طبيعي، وتهتم بزملائها، وتلتزم بقواعد المدرسة. الطالبة التي كانت لا تستطيع أن تتخيل نفسها متعلمة باتت اليوم قدوة، تساعد الآخرين على الإيمان بأنهم قادرون على التعلم هم أيضاً.
في جسور، نؤمن بأن كل طفل يستحق فرصة لاكتشاف ما هو قادر عليه. بالتعامل مع الطلاب الذين يواجهون صعوبات في السلوك بتعاطف وتفهّم بدلاً من العقاب، يكتشفون أن بداخلهم القدرة على التغيير نحو الأفضل، وأن يمنحوا أنفسهم فرصة للتعلم.


.webp)
