بالنسبة لكثير من العائلات السورية اللاجئة في لبنان، نادراً ما تكون مسألة التعليم بسيطة. الأمر لا يتعلق فقط بإيجاد مدرسة، بل بما إذا كانت العائلة قادرة على تحمّل وجود طفل فيها. حين يعتمد البقاء على كل يد عاملة ويصبح التعليم رفاهية. في جسور، لا نغض الطرف عن هذا الواقع بل نبني برامجنا على أساسه.
هذه قصة صبيّين رفضا السماح لظروفهم بأن تكون لها الكلمة الأخيرة، ونهجان تتبعهما جسور للوصول إلى الأطفال الذين يحتاجون إلى العمل من سن مبكرة من أجل البقاء.
بيع العصير في المساء
يحيى عمره عشر سنوات. يعيش في جب جنين في البقاع اللبناني مع ثمانية من إخوته وأخواته. العائلة كبيرة والموارد شحيحة: من بين التسعة أطفال، اثنان فقط في المدرسة حالياً.
كل صباح، يمشي يحيى إلى مركز جسور التعليمي. يجلس في الفصل، يتعلم الحروف والأرقام، ويُضيء المكان من حوله. لاحظ معلموه موهبة حقيقية وشغفاً بالتعلم يظهران في كل ما يفعله، إضاءة ترفض أن تطفى تحت وطأة الظروف. كل مساء، يذهب يحيى إلى العمل. يقف مع والده وأخويه الأكبر سناً يبيعون العصير الطازج للمارة.
حين يُسأل عمّا يريد أن يكون حين يكبر، لا يتردد يحيى: طبيباً.
يوجد مركز جسور في جب جنين تحديداً من أجل أطفال كيحيى، أطفال لا تستطيع عائلاتهم تحمّل رسوم المدارس أو تواجه صعوبة في التسجيل في المدارس الرسمية بسبب وضعهم كلاجئين. منحه جسور ما كان يفتقر إليه: فرصة التعلم وتجربة ما يعنيه أن يكون طفلاً.
الصبي خلف الكاونتر
عالم عبيد ذي الاثني عشر عاماً، قبل جسور، كان محصوراً في جدران دكان الخضار والفاكهة الصغير لعائلته. جعلت ظروف العائلة المادية ووضعها كلاجئين التعليم الرسمي أمراً مستحيلاً، فكانت أيامه تمضي في حمل البضائع وترتيبها وخدمة الزبائن.
جاءت نقطة التحول حين أخبر جار عبيدَ عن عزيمة، برنامج التعلم عبر الإنترنت لجسور المُقدَّم عبر واتساب، والمصمَّم للأطفال الذين لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة. حصل عبيد على هاتف ذكي بسيط والتحق بالبرنامج. بدأ يتعلم القراءة والأرقام بوتيرته الخاصة، يُدرج الدروس في إيقاع يوم عمله.
جاءت التغييرات بسرعة وكانت عميقة. بات عبيد يستطيع قراءة ملصقات المنتجات ولافتات المحلات وقوائم الزبائن. يحسب الأسعار بدقة، ويردّ الباقي الصحيح، وتولّى مسؤولية إدارة حسابات والده الأساسية. الصبي الخجول الهادئ خلف الكاونتر أصبح شخصاً يتحرك في المحل بهدف وثقة.
يحلم الآن بمواصلة تعليمه وامتلاك عمله الخاص يوماً ما.
واقع الأطفال اللاجئين العاملين
يحيى وعبيد، كما كثير من الأطفال اللاجئين، يتقاسمان شيئاً جوهرياً: هما طفلان لم تكن إمكاناتهم موضع شك يوماً، بل إمكانية وصولهما إليها. وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 75% من اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون في فقر مدقع، وتشير أرقام 2017 إلى 180,000 طفل لاجئ سوري مضطر للعمل.
تعكس قصتهما أيضاً شيئاً تعلمته جسور على مدى سنوات من العمل مع مجتمعات اللاجئين السوريين في لبنان: أن المدرسة والعمل في نظر كثير من العائلات ليسا نقيضين. يتعايشان. أي برنامج يتجاهل هذا الواقع لن يصل أبداً إلى الأطفال الأكثر احتياجاً. توفر مراكز جسور الحضورية تعليماً مجانياً مُجدوَلاً حول متطلبات الحياة الأسرية. وتأخذ عزيمة الفصل الدراسي مباشرةً إلى الأطفال الذين يشكّل حتى التنقل القصير إلى مركز حاجزاً أمامهم.
لا يحيى ولا عبيد متلقيّان سلبيّان للدعم. كلاهما يُسهم في إعالة عائلته، ويتحمل مسؤوليات حقيقية، ويحضر كل يوم. ما تقدمه لهما جسور ليس إحساناً؛ بل هو الفرصة لإضافة شيء إلى حياتهما لا ينبغي لأحد أن يُحرم منه: الإيمان بأن مستقبلهم لا يزال مفتوحاً.
يحيى يريد أن يصبح طبيباً. وعبيد يريد بناء عمله الخاص. هذه ليست أحلاماً صغيرة لصبيّين في سنّهما، بل هي إعلانات. وخلف كل واحد منها مجتمع من الداعمين والمعلمين والأقران يساعدون على تحقيقها.


.webp)
