لم يكن ممكناً قبل سنوات قليلة أن يفتح شاب سوري متجراً إلكترونياً أو يعمل بشكل حر مع عميل في الخارج دون معدات وأموال وعلاقات كثيرة، وهو ما كان بعيد المنال لكثير من الشباب السوري الذين يعيدون بناء حياتهم في بلاد الشام. أما اليوم، فغالباً ما يكفي حاسوب محمول واتصال مستقر بالإنترنت والتدريب المناسب. ومع استمرار النزوح وانقطاع التعليم والقيود المفروضة على أسواق العمل في الحد من فرص العمل التقليدية، فتح الاقتصاد الرقمي مساراً بديلاً، حيث يمكن لملف أعمال في التصميم الجرافيكي، أو متجر إلكتروني صغير، أو وظيفة عن بعد لدى صاحب عمل في الخارج أن تتحول إلى مصدر دخل ثابت وكرامة. في جسور، نشهد هذا التحول عاماً بعد عام من خلال برنامج ريادة الأعمال وبرنامج التطوير الوظيفي لدينا. في هذا المقال، نستعرض لماذا تُعد المهارات الرقمية بهذه الأهمية للشباب السوري النازح، وكيف نبني هذه المهارات، وكيف تعيد الأعمال الإلكترونية والعمل عن بعد تشكيل الفرص الاقتصادية لمجتمعنا.
أبرز النقاط:
تمنح المهارات الرقمية الشباب السوري النازح مساراً لتحقيق الدخل لا يعتمد على الانتقال إلى بلد آخر، أو شهادة جامعية، أو تصريح عمل.
بلغت نسبة بطالة الشباب في الدول العربية 26.2% في عام 2025، وهي الأعلى عالمياً، بحسب منظمة العمل الدولية.
يقود برنامج ريادة الأعمال لدينا الشباب السوري من الفكرة إلى تمويل المشروع عبر ستارت اب رودشو، ومسرعة جسور للمشاريع الصغيرة، ومشروع ديسرابتورز.
يربط جسور إلكم المواهب السورية والشامية بأصحاب عمل في الخارج عبر أدوار مرنة وعن بعد وغير تقنية.
دعم مشروع تشجيع سيدات الأعمال في القيادة الشركات الناشئة التي تقودها نساء عبر الإرشاد ومنح تمويل أولي بقيمة 10,000 دولار لكل مشروع.
يُعِدّ لانش باد، التابع لجسور إلى سوريا، رواد الأعمال داخل سوريا لجاهزية الاستثمار مع دخول البلاد مرحلة إعادة الإعمار.
لماذا تهم المهارات الرقمية الشباب السوري النازح اليوم
بالنسبة لكثير من الشباب السوري في لبنان والأردن وتركيا وسوريا نفسها، يصطدم المسار التقليدي نحو وظيفة مستقرة، أي شهادة جامعية تليها وظيفة رسمية، بعوائق متعددة. فقد ضيّقت سنوات انقطاع التعليم، والقيود القانونية على العمل في بلدان اللجوء، وتشبع سوق العمل المحلي، الخيارات المتاحة أمام جيل موهوب وقادر ومستعد للعمل. والفجوة كبيرة بالفعل: ارتفعت نسبة بطالة الشباب في الدول العربية إلى 26.2% في عام 2025، وكان واحد من كل ثلاثة شباب في المنطقة خارج التعليم والتدريب وسوق العمل، بحسب منظمة العمل الدولية.
يقدّم الاقتصاد الرقمي مساراً مختلفاً. إذ يقدّر البنك الدولي أن ما بين 154 مليون و435 مليون شخص حول العالم يكسبون دخلهم اليوم من خلال العمل الرقمي المؤقت، من العمل الحر إلى الدعم الإداري عن بعد، أي ما يصل إلى 12% من القوى العاملة العالمية. وهذا النوع من العمل لا يتطلب تصريح عمل مرتبطاً ببلد معين، بل يكافئ المهارة والموثوقية أكثر مما يكافئ الموقع الجغرافي.
نلمس هذه الإمكانات لدى الشباب الذين نعمل معهم. فقد أظهرت أبحاثنا عبر مسارات جسور إلكم أن الشباب السوريين والفلسطينيين القادمين من سوريا في لبنان وتركيا يتقنون بالفعل الأدوات الرقمية التي يقوم عليها هذا الاقتصاد، من المنصات السحابية إلى برامج التصميم التي تعلّم كثيرون منهم استخدامها بأنفسهم. وما يحتاجونه ليس القدرة الخام، بل تدريب منظم، وإرشاد، وجسر يصلهم بعملاء وأصحاب عمل حقيقيين، وهو بالضبط ما تقدمه برامجنا.
بناء الأساس الرقمي: من مهارات المستقبل إلى مسارات جسور إلكم
قبل أن يتمكن أي شاب من بناء مشروع إلكتروني أو الحصول على وظيفة عن بعد، يحتاج إلى أساس متين. فمن خلال برنامج التطوير الوظيفي، نزوّد الشباب السوري بالقدرات العملية التي يطلبها الاقتصاد الرقمي. تُعرّف مبادرة مهارات المستقبل المتدربين بمبادئ الثقافة الرقمية والتواصل وحل المشكلات، بينما يدرّب برنامج مسارات التوظيف عن بعد، جسور إلكم، الشباب السوري والشامي ويربطهم بفرص عمل حقيقية. وقد صُمم كلا البرنامجين وفق ما يطلبه أصحاب العمل فعلياً، بحيث تتحول كل ساعة تدريب إلى فرصة حقيقية.
كما نراعي الجانب الإنساني الذي يعتمد عليه العمل الرقمي. فإدارة الوقت، والتواصل المهني، والدافعية الذاتية، لا تقل أهمية عن مهارات البرمجة أو التصميم حين يعمل الشاب بشكل مستقل من منزله، لذلك يدمج مدربونا هذه المهارات في كل مرحلة من مراحل التدريب.
من المهارات الرقمية إلى الأعمال الإلكترونية: مسارات ريادة الأعمال لدينا
لمن هم مستعدون لبناء مشروعهم الخاص، يقدّم برنامج ريادة الأعمال مساراً واضحاً من الفكرة إلى الدخل. يجمع ستارت اب رودشو رواد الأعمال الطموحين في لبنان والأردن لعرض مشاريعهم الرقمية أمام الموجهين والمستثمرين. ثم تقدّم مسرعة جسور للمشاريع الصغيرة إرشاداً للمشاريع الواعدة في العمليات الرقمية والتسويق والإدارة المالية، بما يساعد المشاريع الصغيرة على الانتقال إلى الإنترنت والوصول إلى عملاء خارج نطاق حيّها المباشر. ومن خلال مشروع ديسرابتورز، نعمل مع الشركات الناشئة التقنية في مراحلها الأولى، ومن خلال ما بعد التوسع، نساعد الشركات الناشئة في الأردن على تجاوز مرحلتها الأولى من النمو.
نولي اهتماماً خاصاً بسد الفجوة بين الجنسين في ريادة الأعمال الرقمية. فقد دعم مشروع تشجيع سيدات الأعمال في القيادة الشركات الناشئة التي تقودها نساء بأكثر من 32 ساعة من التدريب القيادي، واستشارات فردية متخصصة، ومنح تمويل أولي بقيمة 10,000 دولار لكل مشروع. وأفادت المؤسِّسات المشاركات في البرنامج بتحسّن ملحوظ في مهاراتهن القيادية وجاهزيتهن لجذب استثمارات إضافية، وهو دليل على أن العائق أمام النساء الموهوبات لم يكن يوماً في القدرة، بل في الوصول إلى الفرصة.
داخل سوريا، يواصل جسور إلى سوريا هذا العمل من خلال لانش باد، وهو برنامج إقامة لتأهيل رواد الأعمال للاستثمار، يُعِدّ المؤسسين السوريين لبناء مشاريعهم وتوسيعها مع دخول البلاد مرحلة جديدة.
العمل عن بعد كنموذج أعمال رقمي: جسور إلكم
لا يأخذ كل مشروع رقمي شكل المتجر الإلكتروني. فبالنسبة لكثير من الشباب السوري، يتخذ الاقتصاد الرقمي شكل التوظيف عن بعد، ونحن نتعامل مع هذا المسار بجدية لا تقل عن أي مسار آخر لريادة الأعمال. فمن خلال جسور إلكم، مشروع مسارات التوظيف عن بعد لدينا، ندرّب الشباب السوري والشامي ونربطهم بأصحاب عمل في الخارج يبحثون عن دعم ماهر في الإدارة والبحث والتصميم الجرافيكي والتسويق الرقمي. يحصل أصحاب العمل على مواهب ثنائية اللغة ومتمكنة تقنياً، ويحصل المتدربون على عمل مرن ولائق دون الحاجة إلى الانتقال.
تصف ريم البقاعي، إحدى المشاركات في جسور إلكم، كيف منحها البرنامج مهارات عملية تستخدمها يومياً، وشبكة مهنية أوسع، واستقراراً مالياً جديداً. وتعكس تجربتها ما توصل إليه تقريرنا البحثي، الابتكار من أجل الإدماج: حلول العمل عن بعد للمواهب اللاجئة في الشرق الأوسط، الذي أظهر أن أصحاب العمل يقدّرون السمات التي يتمتع بها الشباب السوري بالفعل: إتقان أكثر من لغة، والوعي الثقافي، وأخلاقيات العمل القوية. وإذا كنتم تقودون فريقاً متنامياً، يمكنكم توظيف مواهب عن بعد من خلال جسور إلكم مباشرة.
الأثر الممتد: كيف تعزز ريادة الأعمال الرقمية المجتمعات
حين يبني شاب سوري مشروعاً إلكترونياً أو يحصل على وظيفة عن بعد، نادراً ما يتوقف الأثر عند راتب واحد. فالدخل المكتسب من العمل الرقمي غالباً ما يعيل إخوة لا يزالون في المدرسة، أو والدين مسنّين، أو أسرة تعيد بناء حياتها بعد سنوات من النزوح. وهذا هو أثر المضاعف الذي نشهده عبر برامجنا: دخل طالب منحة واحد يصبح استقراراً لأسرة كاملة، ومشروع مؤسس واحد ينمو ليخلق فرص عمل محلية لآخرين في المجتمع، ليصل هذا الأثر إلى بيروت وعمّان واسطنبول، وبشكل متزايد إلى مدن داخل سوريا نفسها، دون أن يضطر أحد لمغادرة منزله ليجده.
الأسئلة الشائعة
ما هي المهارات الرقمية التي تساعد الشباب السوري النازح على بدء مشروع إلكتروني؟
يُعد التسويق الرقمي، والتجارة الإلكترونية الأساسية، والتصميم الجرافيكي، وصناعة المحتوى، والثقافة المالية من أهم المهارات في هذا المجال، إلى جانب مهارات أخرى مثل إدارة الوقت والتواصل مع العملاء. نبني هذه المهارات معاً من خلال برنامج ريادة الأعمال وبرنامج التطوير الوظيفي.
كيف تُعِدّ جسور الشباب السوري للأعمال الإلكترونية والعمل عن بعد؟
نجمع بين التدريب المنظم والإرشاد والربط المباشر بالفرص. تبني مبادرة مهارات المستقبل الأساس الرقمي، بينما تساعد مسرعة جسور للمشاريع الصغيرة، وستارت اب رودشو، وجسور إلكم المتدربين على تحويل هذه المهارات إلى مشروع إلكتروني أو وظيفة عن بعد.
هل يُعتبر العمل عن بعد شكلاً من أشكال الأعمال الإلكترونية؟
نعم. فبينما يبني بعض الشباب السوري متاجرهم الإلكترونية الخاصة أو قاعدة عملائهم المستقلين، يكسب آخرون دخلهم من خلال التوظيف عن بعد لدى شركات في الخارج. ويندرج الاثنان تحت مظلة الاقتصاد الرقمي الأوسع، ونحن ندعم المتدربين في كلا المسارين من خلال برنامج التطوير الوظيفي.
هل يمكن للنساء السوريات النازحات الوصول إلى تدريب ريادة الأعمال الرقمية؟
نعم. أُنشئ مشروع تشجيع سيدات الأعمال في القيادة خصيصاً لدعم الشركات الناشئة التي تقودها نساء عبر التدريب القيادي والإرشاد ومنح التمويل الأولي، بما يساعد على سد الفجوة بين الجنسين في ريادة الأعمال الرقمية.
ما هو جسور إلكم؟
جسور إلكم هو مشروع مسارات التوظيف عن بعد لدينا. يدرّب الشباب السوري والشامي على أدوار عن بعد غير تقنية في الإدارة والبحث والتسويق الرقمي، ثم يربطهم بأصحاب عمل في الخارج يبحثون عن مواهب ماهرة وثنائية اللغة.
كيف يمكنني دعم تدريب الشباب السوري على المهارات الرقمية؟ يمكنكم دعم هذا العمل من خلال التبرع لجسور أو استكشاف طرق أخرى للمشاركة، بما في ذلك توظيف مواهب عن بعد من خلال جسور إلكم إذا كنتم من أصحاب العمل.
نحو مستقبل رقمي، معاً
لم تعد المهارات الرقمية ميزة هامشية. فبالنسبة للشباب السوري النازح، أصبحت بسرعة أحد أكثر المسارات موثوقية لتحقيق الدخل والاستقلالية والفرص طويلة الأمد، سواء عبر إطلاق مشروع إلكتروني، أو العمل الحر مع عملاء دوليين، أو الحصول على وظيفة عن بعد في الخارج. ومن خلال برنامج ريادة الأعمال، وبرنامج التطوير الوظيفي، ومبادرات مثل جسور إلكم وجسور إلى سوريا، سنواصل بناء الجسور التي تصل المواهب السورية باقتصاد رقمي بلا حدود. وإذا كان هذا العمل يلامسكم، ندعوكم إلى التبرع لجسور أو التعرف على طرق المشاركة.



